فصل : معنى الجزية
كتب : محمد الأنور آل كيال :
لقد كتبت عن هذه المسألة في إحدى مناظراتي وهي مناظرة
بيني وبين خليل وغريب المكي 3
http://mohammedelmadany16.blogspot.com.eg/2015/11/3.html
ولكني آثرت أن أفرد لها
فصلاً في مدونة الإيمان مع زيادة في البيان والتفصيل .
قال الله : "
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا
يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
صَاغِرُونَ " [التوبة : 29]
لقد فسرت الفرق الضالة
هذه الآية تفسيراً باطلاً مستندة على آثار مكذوبة وأقوال لشياطين الإنس والجن ,
وبرغم عدم حجية الآثار أتحداهم أن يأتوا بأثر صحيح السند لهذا التحريف والتخريف .
وأقول : إن كلمة "الذين
أوتوا الكتاب" , تعني الذين أوتوا الكتاب المنزل من الله تعالى , سواء كان
التوراة أو الإنجيل أو القرآن .
أي أنها لا تعني اليهود
والنصارى فقط , بل كل من أوتي الكتاب فهو داخل في قول الله : "الذين أوتوا الكتاب" فمن أوتي التوراة وآمن بها أو كفر , ومن أوتي الإنجيل وآمن به أو كفر , ومن أوتي القرآن وآمن به أو كفر داخلون في قول الله : "الذين أوتوا الكتاب", فالآية تعني من وصله الكتاب المنزل من الله تعالى , أي من علم الحق , لأن
الجاهل لا بد من إقامة الحجة عليه .
فالآية ليست خاصة بمن
أوتي التوراة والإنجيل , أو اليهود والنصارى فقط كما تزعم الفرق الضالة .
والسؤال : هل تقاتل
الفرق الضالة العصاة من المؤمنين بالقرآن حتى دفع الإتاوة وهم صاغرون ؟
لا يفعلون ذلك بالرغم من أن المؤمن بالقرآن قد أوتي الكتاب وهو القرآن ؟
والسؤال : ما هي الجزية ؟
لقد نزل القرآن بلسان عربي مبين , والجزية مشتقة من الجزاء , فهي فعلة من جزى يجزي : إذا قضى , قال الله : " وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " [البقرة : 48] , تقول العرب : جزيت ديني . إذا قضيته .
لقد نزل القرآن بلسان عربي مبين , والجزية مشتقة من الجزاء , فهي فعلة من جزى يجزي : إذا قضى , قال الله : " وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " [البقرة : 48] , تقول العرب : جزيت ديني . إذا قضيته .
لذا أقول الجزية هي
جزاء , ولكن جزاء على ماذا ؟ ولماذا أصلاً نقاتلهم ؟ ومتى يتوقف القتال ؟
الآية مبينة , فغاية قتالهم هي إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ,
وليس إعلان إسلامهم أو إيمانهم , إذ لو كان سبب قتالهم أنهم يهود أو نصارى لما انتهى القتال إلا
بإيمانهم بالقرآن , ولكن القتال ينتهي بإعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون .
ثم إن فهم الفرق الضالة
متناقض مع مذهبهم , وهل يستبيحون قتال اليهودي أو النصراني المسالم الذي يفطر في رمضان ولا
يحرم الطعام والشراب ؟
والسؤال الآن : جزاء
على ماذا ؟
الآية مبينة , فالجزاء
هو عقاب لهم , واستصغارهم وإذلالهم لا يكون إلا من أجل تكبرهم وتعاليهم , إذاً هو
جزاء على جريمة اقترفوها وتكبرهم وتعاليهم في الأرض .
وهذا الفهم هو الذي
يتوافق مع بقية الآيات , كما يتوافق مع اللسان العربي .
قال الله : "
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ
فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " [المائدة : 33]
الجزية هي جزاء
الاعتداء , وليست إتاوة أو بلطجة كما يقول الأثريون .
قال الله : "
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ
مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى
يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ
انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ
الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) " ( البقرة ) .
هل ترون القتال يتوقف
بإيمانهم بالقرآن أم يتوقف بتوقفهم عن القتال ؟
قال الله : "
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ
اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا
الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " [التوبة : 36]
وقال الله : "
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ
قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي
الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا " [الإسراء : 33]
وقال الله : " لَا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " [الممتحنة : 8]
وقال الله : "
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ
بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " [العنكبوت : 8]
وقال الله : "
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
(14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ
مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ (15) " ( لقمان ) .
بعد هذه الآيات هل يجرؤ
أثري ضال : أن يقول لك : قاتل والديك المسالمين حتى يؤمنوا ويحرموا ما حرم الله
ورسوله , أو قاتلهما حتى يعطوك الإتاوة ويكونوا أذلة لك ؟
هل ستقاتل والديك
المسالمين ـ وإن دعوك للشرك ـ حتى يؤمنوا , أم ستقاتلهم حتى تذلهم وتنهب أموالهم ,
أم ستصاحبهما في الدنيا معروفاً كما أمرك ربك ؟
ما حال الأثري إذا تزوج
من غير مؤمنة بالقرآن ؟
هل سيقاتلها حتى تؤمن
وتحرم ما حرم الله أو تدفع له الإتاوة ؟
ألن يلقي عليها السلام
؟
هل سيضطرها إلى أضيق
الطريق ؟
لقد آمن الأثريون
بأثرين مكذوبين يحرمان بدء اليهود والنصاري والمشركين بالسلام بل ويوجبون عليهم اضطرارهم إلى أضيق
الطريق .
سبحان الله , أعظم دين
وأرحم دين وأيسر دين , جعلته الفرق أقبح دين وأظلم دين وأغلظ دين , وذلك بسبب كفر
الأثريين بالآيات السابقة وإيمانهم بوساوس شياطين الإنس والجن , وإنا لله وإنا
إليه راجعون .
والخلاصة :
1 ـ "الذين أوتوا الكتاب" لا تعني اليهود والنصارى فقط , بل كل من أوتي الكتاب فهو داخل في الآية فمن أوتي القرآن وآمن به داخل في الآية , ومن أوتي القرآن وكفر أو أشرك فهو داخل في الآية لأنه قد أوتي الكتاب , فالآية تعني من وصله الكتاب المنزل من الله تعالى , أي من علم الحق , لأن الجاهل لا بد من إقامة الحجة عليه .
2 ـ الجزية جزاء الاعتداء , وليست إتاوة أو بلطجة كما تفسرها الفرق الضالة .
3 ـ لا بد للمعتدي المتكبر على أحكام الله الذي لا يحرم ما حرم الله فيعتدي على الأبرياء ويستبيح المحرمات كقتل النفس
وهتك الأعراض ونهب الأموال من جزاء وإذلال واستصغار .
4 ـ الإتاوة والبلطجة إكراه في الدين , ولا إكراه في الدين .
قال
الله : " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
[البقرة : 256]
وقال الله : " وَلَوْ شَاءَ
رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
(100) ( يونس
) .
5 ـ الإتاوة والبلطجة ظلم ونهب وإذلال
للمسالم وقد أمرنا الله بالبر والقسط للمسالم .
قال
الله : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ
اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ
دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) " ( الممتحنة ) .
6 ـ الجزية
في حق المعتدي , والبر والقسط في حق المسالم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله رب
العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق